قصص و جرائم

مدرس علم النفس الذي خطط نهايـة زوجته في أسيوط

مدرس علم النفس الذي خطط نهايـة زوجته في أسيوط

تظل النفس البشرية بئراً عميقاً من الأسرار، وحينما تُسخر المعرفة بملكاتها في طريق الشر، تكون النتيجة وقائع تتجاوز حدود الخيال وتصدم الضمير الجمعي. في عام 2013، شهدت محافظة أسيوط جريمة بشعة هزت أركان المجتمع، كان بطلها مدرس متحصن بعلم النفس، استغل دراسته لا لتنوير العقول، بل لهندسة نهاية مأساوية لزوجته، وشريكة حياته.

البداية الواعدة: مدرس متميز ومستقبل باهر

تعود جذور القصة إلى عام 2004، حيث بدأ “وائل”، وهو شاب في مقتبل العمر ومقيم بمركز “أبو تيج”، مسيرته المهنية عقب تخرجه مباشرة كمدرس لمادة علم النفس في إحدى أشهر مدارس أسيوط. أظهر وائل تميزاً لافتاً وقدرة سريعة على إثبات وجوده وتفوقه في مجاله، مما جعله محط أنظار وتقدير زملائه وإدارة المدرسة.

لم يكتفِ وائل بالتدريس، بل كان طموحه يدفعه لتحضير درجة الماجستير في علم النفس، مدفوعاً بشغف عميق لسبر أغوار النفس البشرية وما تخفيه من أسرار وخلجات، وهو ما كان يشي بمستقبل باهر ينتظره.

قصة حب وزواج مثالي.. في الظاهر

وسط هذا التألق، لفتت انتباهه زميلة له في المدرسة تُدعى “حنان”، كانت تتسم بالجمال والخلق الرفيع ويشهد لها الجميع بالاحترام. بدأت نظرات الإعجاب المتبادل تتبلور وتنمو حتى قرر وائل التقدم لخطبتها، وهو ما وافقت عليه حنان وأسرتها بسرعة، نظراً لتميزه وطموحه.

تكللت القصة بالزواج وسط دعم ومباركة العائلتين اللتين كانتا تكنان لبعضهما كل التقدير والاحترام. قررت حنان منذ البداية أن تكون السند لزوجها، فساعدته بحب وتفانٍ في دراسة الماجستير، وكان وائل محل طلب واسع من الأهالي لإعطاء دروس خصوصية لأبنائهم، وهي خطوة شجعته عليها حنان بشدة لزيادة دخل الأسرة.

من الطموح إلى الجشع: بداية التصدع

رزق الزوجان بطفلين، ومع تزايد المسؤوليات، تزايد معها طمع وائل وجشعه. لاحظ أن الوقت الذي يستغرقه في التنقل بين منازل الطلاب يمكن استغلاله في إعطاء عدد أكبر من الدروس، فقرر الاتفاق مع أحد المراكز التعليمية ليكون مقراً ثابتاً له، حيث يأتي الطلاب إليه بناءً على جدول محدد، مما ضاعف مكاسبه المادية بشكل كبير.

أصبح جدول وائل مكثفاً: ينهي عمله بالمدرسة ليعود لبيته ساعة واحدة فقط، ثم ينزل ويقضي بقية اليوم داخل المركز التعليمي. بدأ هذا الوضع يزعج حنان ويشعرها بغيابه الفعلي عن حياتها وحياة طفليها، لكنها كانت تؤثر الصمت نظراً لاحتياجات الأسرة المتزايدة، وكان هذا دائماً مبرر وائل بأنه يعمل من أجل تأمين مستقبل أفضل لهم.

الخيانة وقلب الطاولة: سلاح علم النفس

مرت السنين حتى عام 2008، حيث اكتشفت حنان أن وائل على علاقة نسائية بأخرى، وعرفت أن معظم الوقت الذي يقضيه خارج البيت ليس دائماً في المركز التعليمي، وامتلكت أدلة تؤكد تعدد علاقاته.

هنا، برز استغلال وائل لدراسته في علم النفس بشكل خبيث؛ فبدلاً من الاعتذار، استطاع ببراعة قلب الطاولة على حنان وجعلها تشعر بتأنيب الضمير، متهماً إياها بأنها انشغلت بالولاد وأهملته تماماً، وأنها هي السبب فيما وصل إليه الأمر. وقعت حنان في حيرة من أمرها وكيف تبرر لنفسها هذا الاتهام الجائر.

فكرة حنان: السيطرة والانهيار الحتمي

بعد أن أفاقت حنان من تأثير الصدمة واللعب بمشاعرها، فكرت في فكرة تحقق التوازن: أن تتم حياة وائل المهنية كلها داخل منزلهم. بحثت عن شقة دور أرضي بمساحة كبيرة، وخصصت جزءاً كبيراً منها كسكن للأسرة، والجزء الآخر تم تجهيزه كمركز تعليمي خاص بوائل يستقبل فيه طلابه، ليكون كل شيء تحت عينيها وتحت سيطرتها الكاملة. لم يجد وائل مبرراً للرفض، وتم تنفيذ الفكرة.

مرت سنة كاملة والأمور تسير على ما يرام، لكن مع تزايد عدد الطلاب، برزت حاجة وائل لمنظم للمواعيد والحسابات. هنا، جاء دور “سكرتيرة” جميلة لتتولى هذه المهمة وتكون مقيمة معهم في الشقة، نظراً لأن المركز التعليمي بداخلها. الحقيقة الصادمة أن هذه السكرتيرة كانت على علاقة غير شرعية بوائل لمدة سبع سنين، وكانت تعرف كل صغيرة وكبيرة عن حياته ومشاكله ودخله المادي. كانت حنان تغير غيرة طبيعية من السكرتيرة، لكنها لم تتوقع أبداً حقيقة العلاقة بينها وبين زوجها.

هندسة الجريمة: مؤامرة ابلسية

مرت سنين أخرى حتى أغسطس 2013. بدأت حنان تتلقى رسائل غرامية مجهولة، وعندما يراها وائل، يفتعل مشكلة كبيرة ويتهمها بالخيانة، مما دفع حنان لترك المنزل والذهاب لأهلها، لكنهما تصالحا بعد أسبوع بعد وعود وائل بعدم الشك فيها مجدداً. مر شهر كامل في هدوء تام، حتى جاء اليوم المشؤوم.

استيقظ وائل السابعة صباحاً وذهب لمدرسته كالمعتاد. في الثامنة صباحاً، استيقظت ابنتهما “سارة” (9 سنوات) بالصدفة، ولاحظت أن مفتاح والدتها موجود في باب الشقة من الداخل، مما يعني أنها لم تنزل للشغل. دخلت غرفة النوم لتجد والدتها في حالة غريبة، وجسمها مليان علامات زرقاء، وأجزاء من الغرفة مبعثرة. حاولت إيقاظها لكن دون جدوى. انهارت البنت واتصلت بوالدها، الذي طلب منها الاتصال بجدتها لحين عودته.

في نفس الوقت، تلقت الجدة تليفوناً من شخص صوته غريب، يزعم أنه قتل ابنتها ويطلب 50,000 جنيه كفدية وإلا سيقتل طفليها وزوجها وائل.

التحقيقات: مسرح الجريمة وسقوط الأقنعة

وصل وائل وأبلغ الأمن فوراً. انتقل رجال الأمن وخبراء المعمل الجنائي، ورصدوا ملاحظات هامة:

  • لا توجد آثار عنف على الأبواب أو الشبابيك (الدور الأرضي).
  • مفاتيح الأم موجودة في الباب من الداخل، مما يعني أنها هي من فتحت الباب.
  • علامات خنق على الرقبة.
  • سرقة كل الدهب والفلوس من الشقة.

كشف التقرير المبدئي أن الجريمة منظمة ومرتبة بدقة، وعثر المعمل الجنائي على بصمة غريبة في أكثر من مكان بالشقة.

أثناء التحقيقات، حاول وائل ببراعة تمثيل الانهيار، وألمح بذكاء أن زوجته احتمال تكون على علاقة بحد وهو من فعل ذلك، مستشهداً بالرسائل المجهولة. تتبع الأمن المكالمات، ووجد أن الرقم الذي أرسل الرسائل لم يُستخدم إلا لهذا الغرض، وكذلك الرقم الذي كلم الجدة، مما يؤكد أنها خطة مدروسة.

كشف اللغز: فردر حذاء وسجلات مكالمات

تتبع الأمن خط سير وائل يوم الجريمة، ووجد تصرفات غريبة: افتعل خناقة في فرن العيش، وخناقة في محطة البنزين، ولأول مرة يعزم صحابه في المدرسة على العصير رغم بخله المعروف. تأكد الأمن أن وائل متعمد يثبت وجوده في كل مكان.

كشف تتبع المكالمات من تليفون وائل اتصالاً الساعة 7:15 صباحاً (وقت الجريمة) بشخص يدعى “محمد خلف” (سمكري)، له سوابق إجرامية. واجه الأمن وائل، فتوتر لكنه برر الاتصال بموعد لإصلاح سيارته. قرر الأمن التحفظ عليه والقبض على محمد خلف، الذي اعترف فوراً بأن وائل هو من خطط لكل شيء. تطابقت بصمته مع البصمة الموجودة في مسرح الجريمة.

اعترافات السمكري: هندسة الجريمة بالأرقام

حاول وائل الإنكار، لكن محمد خلف فجر مفاجأة: كان مسجلاً كل المكالمات واللقاءات مع وائل بالصوت لابتزازه.

كشف محمد خلف التفاصيل: قبل أربعة أشهر، طلبت السكرتيرة من وائل الاختيار بينها وبين حنان. نظراً لأنه مسيحي الديانة، فلا يمكنه الزواج بالسكرتيرة أو طلاق حنان، فقرر التخلص من زوجته.

تضمنت الخطة:

  1. شراء خط تليفون لإرسال رسائل غرامية لحنان لإثارة الشكوك حولها.
  2. محاولة استئجار قتلة من الجبل في اسيوط، لكنهم رفضوا لبخله وعرضه مبلغ قليل.
  3. إقناع حنان بأنها تعاني من الأرق وخلاها تنزل بنفسها تشتري أدوية منومة لتناولها يومياً.

اتفق وائل مع محمد خلف على قتل حنان مقابل 200 جنيه وأي دهب ترتديه أو موجود في الدولاب.

يوم التنفيذ، أدخل وائل محمد خلف للبيت الساعة 6:15 صباحاً بنفسه، وطلب منه خنق حنان بقطعة قماش مبلولة، لكن محمد خلف لاحظ أنها كانت في غيبوبة تامة من المنوم ولم يجرؤ على لمسها، فأخذ الدهب والفلوس من الدولاب، وعندما تعذر قلع الدهب من إيديها، أحضر وائل صابونة لتسهيل ذلك. استيقظ ابنهما، فخبأ وائل محمد خلف بمنتهى البرود، وخلى ابنه يبص على مامته إنها نايمة ويطلب منه يكمل نومه.

بعد الانتهاء، طلب وائل من محمد الاتصال بالجدة ومطالبة الفدية، وهو نفسه أرسل رسائل غرامية لحنان.

النهاية الدموية وحكم الإعدام

بعد المحاكمات ومحاولات وائل المستميتة للإنكار، تم إصدار حكم الإعدام شنقاً على كل من وائل ومحمد خلف عام 2016. دفع الزوجان شريكة حياتهما وطفليهما ثمن شخصية مريضة، وجشع السمكري الذي دمر حياته من أجل 2000 جنيه، ليسد الستار على جريمة هندسها مدرس علم النفس بعقلية ابلسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى