قصص و جرائم

اللواء قواد الجيزة.. القصة الكاملة لأبشع جريمة ثأر وشذوذ في العالم الموازي

جريمة قواد الجيزة

في أكتوبر من عام 1998، لم تكن منطقة العجوزة الراقية في المهندسين تعلم أنها على موعد مع الكشف عن واحدة من أغرب القضايا الجنائية في تاريخ الأمن المصري. بدأت القضية ببلاغ اعتيادي من سكان إحدى البنايات يشكون من رائحة كريهة تنبعث من شقة يقطنها رجل خمسيني بمفرده. انطلقت قوة أمنية للمكان، وبمجرد كسر الباب، تضاعفت الرائحة البشعة لتطرح خلفها لغزاً سينمائياً مرعباً عُرف لاحقاً في أروقة المحاكم بـ “قضية العالم الموازي”.

مسرح الجريمة: جثة بلا رأس وسلك كهرباء

داخل غرفة النوم، وقف رجال المباحث أمام مشهد قاصٍ: جثة رجل عارٍ تماماً، مكبل اليدين والقدمين بسلك كهربائي، ومفصول الرأس عن الجسد بشكل كامل باستخدام “ساطور”. الجثة كانت تحتوي على عدة طعنات نافذة في الرقبة، وآثار ضرب مبرح على الجمجمة بعصا خشبية.

فريق البحث الجنائي لاحظ فوراً عدم وجود أي آثار لعنف على منافذ الشقة، مما يعني أن القاتل دخل برضا الضحية، أو أنه يمتلك نسخة من المفاتيح. وبتفتيش المكان، عثر المحققون على كميات كبيرة من المواد المخدرة وأدوات التعاطي (شيشة) منتشرة في أرجاء الشقة الفاخرة، مما رسم الملامح الأولى لحياة صاحب المكان.

تقرير الطب الشرعي فجّر المفاجأة الأولى؛ الضحية تعرض للصعق بالكهرباء والضرب قبل ذبحه، والتحاليل أثبتت تعاطيه جرعات مكثفة من المخدرات، والأخطر من ذلك، أن التقرير أكد أن الضحية تعرض للاعتداء الجنسي قبل موته مباشرة، وأنه كان معتاداً على ممارسة الشذوذ الجنسي.

حمدي قنديل: رجل الأمن المستقيل أم الستار القذر؟

بدأت التحريات تجمع خيوط الشخصية الغامضة للقتيل، ليتضح أنه يدعى “حمدي أنديل”. كان في السابق يشغل منصباً في جهة أمنية، وتم فصله منذ سنوات طويلة بسبب سوء سلوكه. إلا أن حمدي أخفى هذا الأمر عن الجميع، وظل يحتفظ بصوره بالملابس الرسمية مدعياً أنه استقال لإدارة مكتب استشارات قانونية بوسط البلد. هذا المكتب، بحسب تحريات المباحث، لم يكن يزوره أي عميل، بل كان مجرد “ستار أمني” يدير من خلفه شبكة سرية للأعمال المنافية للآداب والابتزاز.

بسؤال الجيران، تبين أن هناك زوجين شابين، “طاهر” و”أمل”، كانا يقيمان مع حمدي في الشقة، واختفيا تماماً فور وقوع الجريمة، واختفت معهما سيارات حمدي ومفاتيح الشقة وخزنته المالية. وبعد يومين، التقط الأمن الخيط الأخير: تم رصد عملية بيع لشقة القتيل وسياراته بموجب بطاقة شخصية مزورة تحمل صورة “طاهر” ولكن ببيانات شخص آخر يُدعى “محمد صلاح الدين” يعمل مدرساً ثانوياً. تبين أن المتهمين هربا إلى مرسى مطروح، وخلال ساعات تم إلقاء القبض عليهما لتبدأ مرحلة الاعترافات الصادمة.

الهروب إلى الجحيم: كيف تحول الزوجان إلى عبيد؟

أمام جهات التحقيق، روى طاهر (38 سنة، عاطل) وزوجته أمل (29 سنة) كيف أوقعهم حمدي في شباكه. الزوجان كانا يعيشان ظروفاً مادية طاحنة ولديهما طفلان، واقترحت والدة طاهر أن يذهب لابن عمها “حمدي” باعتباره رجلاً ذا نفوذ لمساعدته.

حمدي تظاهر بالشهامة، وطلب منهما الانتقال للعيش معه في شقة المهندسين، على أن يعمل طاهر مساعداً شخصياً له وتتولى أمل أعمال النظافة مقابل راتب مجزٍ. انطلقت الأسرة بآمال عريضة، لكن في الليلة الأولى تحول الحلم إلى كابوس. بدأ الهاتف الأرضي يرن دون توقف، وكانت المكالمات من رجال يطلبون فتيات ليل بأسلوب إباحي.

في نفس الليلة، عاد حمدي وبصحبته 3 رجال و3 فتيات ليل، وطلب من طاهر إعداد الشيشة المخلوطة بالبانجو. ولم يكتفِ بتأسيس الشقة كوكر للدعارة، بل التفت إلى طاهر وبكل بجاحة أمره بالدخول معه لغرفة النوم لممارسة الشذوذ الجنسي، واشترط أن تدخل زوجته أمل لتشاهد الواقعة!

وعندما بكى الزوجان وتوسلا إليه ليتركهما، أخرج حمدي بطاقاتهما الشخصية التي سرقها من حقائبهما، وهددهما بنفوذه الأمني المزعوم: “لو خرجتما من هنا، سألفق للزوجة قضية دعارة، وللزوج قضية اقتحام مسكن، وسأرميكما في السجن ليضيع أطفالكما في الشوارع”. وتحت وطأة الرعب والجهل، استسلم الزوجان. ولم يسلم طاهر من قذارته، بل أجبر أمل لاحقاً على المشاركة في العلاقات، وفي نهاية السهرة منحهم 200 جنيه كأول مرتب لهما من تجارة المتعة الشاذة.

تجارة الأبناء وبداية المؤامرة

توالت الأيام، وحول حمدي الزوج طاهر إلى “ديلر” يشتري له المخدرات من منطقة الكيت كات. حاول الزوجان الهرب مرتين، وفي كل مرة كان حمدي يصلهما ويهددهما بالسجن والتشريد ويعيدهما تحت التهديد. الكارثة الكبرى بدأت عندما طلب حمدي من الزوجين التنازل رسمياً عن طفلهما الرضيع (سنة ونصف) ليكتبه باسمه، وكان يجبرهما على ممارسة الرذيلة أمام الطفل الرضيع ليعتاد المشهد!

استغل حمدي طاهر في عمليات نصب لشراء سيارات بعقود مزورة بعدما أجبره على تربية لحيته واستخراج بطاقة مزورة له باسم مدرس ثانوي. وبلغت القذارة ذروتها عندما اكتشف طاهر أن حمدي خطف طفلين من سيدة أخرى تزوجها عرفياً بالابتزاز وسرق ذهبها وأرضها.

القشة التي قصمت ظهر البعير كانت عندما سكر حمدي، وأجبر طاهر وأمل على تصوير علاقة شاذة معه بالفيديو لتوثيق الابتزاز. هنا اتفق طاهر مع زوجته على فصل سلك الكهرباء عن الكاميرا وإيهامه بالتصوير. بعد الإفاقة، هدد حمدي بنشر الفيديو وتزوير شهادة ميلاد للطفل الرضيع لنسبه لنفسه.

ليلة الذبح وحبل المشنقة

أيقن الزوجان أن الحل الوحيد لاستعادة حياتهما وهويتهما هو تصفية “الشيطان”. اتصل طاهر بحمدي وهدده بالقتل إن لم يسترد بطاقاته، فما كان من حمدي إلا أن جاراه وقال: “موافق، تعاليا لإقامة حفلة وداع أخيرة، نشرب ونمارس كل شيء، ثم اذهبا لحال سبيلكما”.

عندما وصلا الشقة، طلب حمدي الشاي، فوضعت له أمل 5 أقراص مخدرة بدلاً من قرص واحد. وبمجرد غيابه عن الوعي، أحضر طاهر سلك الكهرباء وقام بتكبيله وصعقه بالكهرباء انتقاماً. استيقظ حمدي وبدأ يصرخ، فناولته أمل عصا خشبية ضربه بها طاهر على رأسه حتى غاب عن الوعي مجدداً، ثم استل سكيناً وطعنه في رقبته عدة طعنات. ومن فرط الغل، توجه طاهر للمطبخ وأحضر ساطوراً وفصل رأسه عن جسده.

قام الزوجان بتنظيف مسرح الجريمة، وأخذا الأوراق الثبوتية والمفاتيح، وقاما بتبصيم الجثة على عقود بيع الشقة والسيارات، وهربا لمرسى مطروح حتى سقطا في قبضة العدالة.

انتهت التحقيقات، وأحيلت القضية لمحكمة الجنايات التي لم تأخذها رأفة بالمتهمين رغم حجم الابتزاز؛ واعتبرت المحكمة أن دافع الجريمة والسرقة والنصب كان متأصلاً في المتهمين الذين قبلوا الدناءة مقابل المال لأسابيع طويلة، ليسدل الستار على القضية بإحالة أوراق طاهر وأمل لفضيلة المفتي، وتأييد حكم الإعدام شنقاً بحقهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى